عبد الملك الجويني
13
نهاية المطلب في دراية المذهب
والمجاورة لا تقتضي هذا المعنى ، ثم معظم ما لا يتأتى التصوّن منه [ مجاورٌ ] ( 1 ) ، والأوراق الخريفية ، كالخشب تجاورُ ، وليس فيها رطوبات تخالط ، حتى لو انتثرت وفيها رطوبة ، فخالطت وغيّرت ، سلبت الماءَ طهوريَّتَه . فهذا تحصيل طرق الأصحاب ، في مقصود هذا الباب . ونحن نرسم الآن فروعاً نذكر فيها مقالات الأئمّة ، ونُخرِّجُها على الطرق ، فتتهذّب بذكرها القواعد والأصول . فرع : 12 - الماء إذا ألقي فيه ملح ، صودف منعقداً عن الماء الأُجاج ، فتفاحش تغيُّره به ، فقد ذكر أئمّة المذاهب فيه خلافاً ، وقالوا : من أصحابنا من جوّز التوضؤَ به ؛ لأن الملح انعقد من ماءٍ ، فإذا ذاب في ماء عذبٍ ، كان [ كالجَمْد ] ( 2 ) ، يذوب في الماء ، وأيضاً فلا خلاف أن الماء الملح - الذي ينعقد منه الملح - لو انصبَّ في ماء عذبٍ وظهرَ تغيُّره [ به ] ( 3 ) ، يجوز التوضؤ به ؛ فليكن الملح بنفسه ( 4 ) بمثابته . ومن أصحابنا من قال : لا يجوز التوضؤ بالماء الذي ظهر تغيُّره بالملح الواقع فيه ؛ فإنه مع العلم به لا يسمى ماء مطلقاً ، إذا تفاحش تغيُّرُه ، وليس الملح من أجزاء الماءِ وجوهره ؛ فإن المياه نزلت من السماء عذبة ، ثمّ سلكها الله سبحانه وتعالى ينابيعَ في الأرض ، فاكتسبَ ما انسلك في السبخات صفاتِها ، ثم الملح المنعقد هي أجزاء السبخة تتجمع ، وليست أجزاء الماء ، ولذلك لا ينماعُ الملحُ في الشمس . وأما انصباب الماء الأُجاج على العذب ، فالمتبع فيه الاسم في مجاري الكلام ؛ فالناس يقولون : " ماءٌ انصب على ماء " ، وكان يجوز التوضؤ بالماء الأجاج عند انفراده ، وإذا ( 5 ) ذاب ملحٌ في ماءٍ يظهر تغيّره به ، فيمتنع أهلُ اللسان من تسميته ماء على الإطلاق .
--> ( 1 ) في الأصل : مجاورة الأوراق ، والمثبت عبارة ( د 3 ) ، ( م ) ، ( ل ) . ( 2 ) في الأصل : " كالجامد " والمثبت من : د 3 ، ( م ) ، ( ل ) والجَمْد بفتح الميم وسكونها : الماء إِذا تجمد ، ( المعجم والمصباح ) . ( 3 ) مزيدة من ( م ) . ( 4 ) في ( م ) : نفسه ، وكذا في ( ل ) . ( 5 ) في ( م ) : بخلاف ما إِذا ذاب ملح في ماء ، فيظهر تغيره به . =